أحمد مصطفى المراغي

40

تفسير المراغي

المعنى الجملي الآيات الثلاث الأولى تبين أن حكم اللّه في خلقه العدل بلا محاباة لولىّ ولا نبي ، وأن الأنبياء قد يجوز عليهم الخطأ في الاجتهاد ويعدّ ذلك ذنبا بالنظر إلى مقامهم الرفيع ومعرفتهم بربهم ، وذلك ما عرض له نوح عليه السلام من الاجتهاد في أمر ابنه الذي تخلّف عن السفينة فكان من المغرقين ، كما أن في الآية الأخيرة استدلالا على نبوّة محمد صلى اللّه عليه وسلم وطلب صبره على أذى قومه . الإيضاح ( وَنادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي ، وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحاكِمِينَ ) أي ونادى نوح ربه إثر ندائه لابنه الذي تخلف عن السفينة ودعاه إليها فلم يستجب ، فقال يا رب إن ابني هذا من أهلي الذي وعدتني بنجاتهم إذ أمرتني بحملهم في السفينة ، وإن وعدك الحق الذي لا خلف فيه ، وأنت خير الحاكمين بالحق ، كما قلت « وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ » فحكمك يصدر عن كمال العلم والحكمة فلا يعرض له الخطأ ولا الحيف والظلم . والخلاصة - إن نوحا كان يريد أن ينجو ابنه الذي تخلف عن السفينة من الغرق بعد أن دعاه إليها ، ومن البيّن أن هذا الدعاء لا بد أن يكون بعد المحاورة مع ابنه قبل أن يحول بينهما الموج . ( قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ ) أي قال تعالى : يا نوح إنه ليس من أهلك الذين أمرتك أن تحملهم في الفلك لإنجائهم ، وقد بين سبحانه سبب ذلك بأنه ذو عمل غير صالح : أي فهو يتنكّب الصلاح ويلتزم الفساد .